لا أعرف منذ متى بدأت قصة المفاتيح معي، ربما منذ أيام الطفولة حيث كنّا نسكن بيتاً له حديقة وبوابة خارجية ولم نكن نستخدم المفاتيح فقد كنا عادةً نغلق البوابة الخارجية وباب البيت الرئيسي إغلاقاً عادياً دون مفاتيح حتى الحمام
لا أعرف منذ متى بدأت قصة المفاتيح معي، ربما منذ أيام الطفولة حيث كنّا نسكن بيتاً له حديقة وبوابة خارجية ولم نكن نستخدم المفاتيح فقد كنا عادةً نغلق البوابة الخارجية وباب البيت الرئيسي إغلاقاً عادياً دون مفاتيح حتى الحمام والمرجاض لم يكن لهما مفاتيح، كان يقتصر استخدام المفتاح في بيتنا على غرفة أمي التي اعتادت أن تخبئ فيها كل ما تريده أن يكون بعيداً عن أيادينا من حلوى وغير ذلك وما عدا غرفة أمي فلا يوجد مفاتيح , ببساطة كانت المفاتيح في بيتنا من الأدوات التي لا نتعامل معها , إلا إذا أردنا مغادرة البيت جميعاً وهذا نادر ٌ ما كان يحصل ، فإذا أردنا مغادرة البيت جميعا" ,كنا نبحث ونبحث عن مفتاح البيت الذي ننسى أين نضعه إلى أن نجده ومهما حرصت أمي على الاحتفاظ به والانتباه إلى مكانه كان المشهد يتكرّر كل مرة كنا نريد الخروج جميعاً من البيت , نبدأ في البحث عن مفتاح البيت إلى أن نجده والذي يجده يُشعرنا وكأنه حقق انتصاراً عظيماً، ربما من هذه اللحظة ,لحظة الانتصار الكبير في العثور على المفتاح ترسب في أعماقي أن المفتاح شيء ثمين وتكرّس لدي الاهتمام بالمفاتيح.
عندما كبرت قليلاً استطعت أن انتزع انتزاعاً حق تملك درج في كومودينو قديم في بيتنا لم يكن يثير اهتمام أحد ولم يكن هذا من عاداتنا في البيت حيث كل شيء للجميع وليس من عادة أحد الاستئثار بشيء لنفسه، بحثت في البيت إلى أن وجدت له مفتاحاً كان أول مفتاح خاص بي في حياتي وكنت أوليه اهتماماً كبيراً وأحتفظ به في ميدالية جميلة، أحرص كل الحرص على مكانها، كنت أضع في الدرج بعض الأشياء البسيطة الخاصة بي وأهم ما كان فيه دفتر يوميات كنت أسجل فيه خواطري وبعضاً من يومياتي وكنت لا أتخيل أبداً أن يقع بين يدي أحد فمن منا يطيق أن ينظر أحد إلى دواخله ؟!
باءت جميع محاولات أفراد الاسرة استرجاع الدرج مني بالفشل واستبسلت في الدفاع عنه إلى أن يئسوا مني ومن درجي واستسلموا للأمر الواقع مع الوقت زادت مفاتيحي وأصبح لدي أيضاً مفتاح دولاب ثم تطور الأمر أكثر عندما أصبحت طالبة في الجامعة حيث أضيف إلى سلسلة مفاتيحي مفتاح غرفتي في سكن الطالبات وعندما أصبحت موظفة أضيف مفتاح مكتب وبعد زواجي زاد على سلسلتي مفتاح بيت، كانت كل مرحلة في حياتي تترافق مع زيادة في عدد المفاتيح وأنا أزداد سعادة وحرصاً على ثروتي، أشتري الميداليات وأتفنن في انتقائها فتارة رسم لبرجي وتارة لاسمي أو أول حرف منه وهكذا ومع ولادة أطفالي واحداً تلو الآخر زادت مفاتيحي , فلكل دولاب ولكل درج في البيت مفتاح، وحدها المفاتيح تشعرني بأن كل شيء في البيت تمام وأن الأمن والترتيب والنظام وكل ما أريده محقق في البيت وكل شيء مستقر كما أريده أنا، وإذا نسيت صدفة استخدام مفتاح و إغلاق درج أو دولاب أفزع وأهرع إلى المفتاح ، المفتاح وحده يشعرني بالأمان وبأنني أسيطر على كل شيء , غير آبه لنظرات أطفالي الغاضبة إلى مفاتيحي التي كانت دائماً تحسم الأمور لصالحي في أي تمرد منهم ودائماً ما كنت أدعو للذي اخترع فكرة المفاتيح إلى أن كان يوم.
ذهبت بعد عصر أحد الأيام إلى السوق واصطحبت أطفالي معي وعند عودتنا وقبل وصولنا للبيت بقليل مددت يدي إلى حقيبتي أبحث عن سلسلة مفاتيحي وقد كان من عادتي دائماً أن اتناول سلسلتي من حقيبتي قبل الوصول إلى الباب بقليل ولكن ولصدمتي الشديدة لم أجدها، بحثت ..وبحثت ولم أجدها ، .......يبدو أنني فقدتها في أحد المحال الكثيرة التي دخلناها في جولتنا في السوق..! ، كنت مرتبكة جداً لا أعرف ماذا أفعل، أحسست بأني فقدت السيطرة على أبسط الأمور ولم أعد أستطع التفكير، بعد تردُّدٍ شديد ووقت قصير اشار عليّ ابني الأكبر بأن يتسلق السور ليفتح لنا البوابة لندخل على الأقل إلى الساحة الخارجية للبيت ووافقت طبعاً وحمدت الله من كل قلبي أنني لم أغلق البوابة الخارجية بالمفتاح وبدأت أساعده في تسلق السور الذي تم بدقائق معدودة حسبتها ساعات طوال حيث لم يبق سيارة في المدينة إلا ومرت من أمام بيتنا في تلك الدقائق والجميع ينظر إلينا ، باختصار أصبحنا "فُرجةْ" ، وأخيراً تم فتح الباب الخارجي ودخلنا جميعاً وجلسنا على ما تيسر في ساحة البيت، لم يكن زمن الهواتف النقالة قد حلّ وهذا يعني أنه لا يمكنني الاتصال بزوجي أي علينا أن ننتظر أكثر من ساعتين لحين انتهاء دوامه المسائي وقدومه إلى البيت ليفتح لنا الباب، بعد طول انتظار وصل زوجي ودخلنا البيت وهنا بدأت المشكلة تكبر بدل أن تنتهي فكل شيء في البيت مغلق بالمفتاح، الدواليب والأدراج... ومفاتيحها جميعها في سلسلتي المفقودة، الغرف كانت مفتوحة باستثناء غرفتي، وبدأنا نحاول فتح ما نحتاجه بما تيسر لنا من أدوات،من مفكات وسكاكين وغيرها ..، كل ذلك كان يتم بين تقريع زوجي وتذمّر أبنائي وأنا صامتة، أهكذا تخذلني مفاتيحي فجأة ودون مقدمات ؟!
كنت أتجنّب النظر في عيون أطفالي المتعبين الذين يريدون أن يناموا حتى دون عشاء، كانت عيونهم تنطق بمزيج من الشماتة والسخط والتذمّر...!، هل يعرف الأطفال الشماتة؟!..لأول مرة أحس بما كنت أفعله بأطفالي وبمقدار القمع الذي كنت أمارسه بحرمانهم مما يريدون، لم أكن أصلاً أفكر بما يريدون، كنت أفكّر فقط بما أريد أنا، أثناء سماعي لعبارات التقريع واللوم والغضب ومطالبتي بعدم استخدام المفاتيح ثانية... التمعت في رأسي فكرة، رفعت رأسي بكل ثقة وتكلّمت لأول مرة منذ دخولنا البيت و قلت كمن يدلي بتصريح هام : في المرة القادمة سأحرص على أن أحتفظ بأكثر من نسخة.....



