بعد أن أنهى حلاقة ذقنه وغسل وجهه أخذ يتفحص وجهه في المرآة، قلة النوم والقلق عملا عملهما في عيونه ووجهه ومزاجه وكل حياته، لم يعد يبتسم إلا نادراً، أما الضحك فقد نسيه تماماً، يحس بأن الهم الذي يسكن قلبه أكبر من هموم الناس جميعاً، فقط لو يفهم ...لو يفهم ماذا حدث لربما ارتاح قليلاً ...كيف انقلبت الأمور بهذا الشكل؟!
بعد أن أنهى حلاقة ذقنه وغسل وجهه أخذ يتفحص وجهه في المرآة، قلة النوم والقلق عملا عملهما في عيونه ووجهه ومزاجه وكل حياته، لم يعد يبتسم إلا نادراً، أما الضحك فقد نسيه تماماً، يحس بأن الهم الذي يسكن قلبه أكبر من هموم الناس جميعاً، فقط لو يفهم ...لو يفهم ماذا حدث لربما ارتاح قليلاً ...كيف انقلبت الأمور بهذا الشكل؟!
هي التي كانت بسمتها تملأ قلبه سروراً وضحكتها تجعله يطير ولا تسعه الدنيا من الفرح وكلماتها القليلة كان وقعها في أذنه أجمل من أي صوتٍ آخر في الدنيا، كيف انقلبت الأمور؟!
عندما دخلت حياته نثرت الورود في دروبه وملأتها دفئاً وسعادة وهناء بنظرات عينيها الجميلة وابتسامتها الساحرة وحركاتها البريئة، الآن كل شيء تغيَّر، لا تنظر إليه أبداً وكأنها لا تعرفه، يتمنى أن تنظر في عينيه فقط ثوانٍ بسيطة، يتمنى أن تبتسم له كما في السابق , أن تفرح لرؤيته، حاول بكل الطرق، سأل كل من يتوقع أنه يمكنه مساعدته دون جدوى...فلا هي عادت تحس بوجوده هو ولا بغيره وكأنه غير موجود أو كأنها في عالم آخر...آه من هذا العالم الأخر...ليته يستطيع أن يدخله ...أن يفهم ماذا يحدث فيه ...طيلة عمره يعرف أن هنالك عالمين : الدنيا والآخرة ....عالم الأحياء وعالم الأموات فإذا الموضوع أعقد من هذا وإذا هي تكشف له وجود عالم لا يعرفه أو ربما عوالم أخرى لا يعرف عنها شيئاً ولا يستطيع أن يقف أمامها إلا عاجزاً ....كأنما حاجز منيع يفصلهما ولا يمكنه أبداً النفاذ منه....يحدِّث نفسه "ليتني أفهم ...ليتني أعرف بماذا تفكرين..أتراك كرهت عالمنا فصنعت لنفسك عالماً تأنسين إليه؟...أتراك رأيت بعيونك الصغيرة القسوة والبشاعة في عالمنا فزهدت به؟...أتراك عرفت كم في عالمنا وحياتنا من جشع وطمع وزيف فعزفت عنه ورحت تصنعين لنفسك عالماً خاصاً لا يدخله أحد غيرك ولا يعرف مفتاحه إلا أنت ...؟! أبحث عن البريق في عينيك فلا أجده وأبحث عن ابتسامتك المشرقة فلا أعثر عليها كيف حدث هذا ؟
وأنا الذي ما اعتدت أن أقف أمام باب مغلق إلا وفتحته وما اعتدت أن أجد أمامي جبلاً شامخاً إلا وصعدته...أجدني الآن أمام صمتك ولا مبالاتك أقف بقامتي الطويلة أمام قامتك الصغيرة عاجزاً ...لا أملك إلا حيرتي وحيرتي وحيرتي , وعذابي يزداد أحياناً إلى حدِّ القهر واليأس والاستسلام فأوبخ نفسي فينمو فيها بعض صبرٍ ورجاء بأمل قد يأتي ..!!
يخرج من غرفته ...تقع عيناه على باب غرفتها المغلق...يفكر أن يدخل غرفتها ويكلّمها....أيام كثيرة مرَّت وكل يوم يتكرّر نفس المشهد ...يقف أمام باب غرفتها ..يهمُّ بالدخول ثمّض يتراجع ويقول ربما في الغد أفضل...من يدري...ربما ...ربما تسرع كما كانت تفعل في السابق ..تقابله بابتسامة عريضة...هو لا يريد أكثر من كلمة واحدة...لقد زهد في كل كلام الأرض وكل اللغات...هو مستعد للتنازل عن قواميس الكون...يتنازل عن كل الكلام الذي يتكلّم به البشر...يريد فقط أن يسمع كلمة واحدة..واحدة فقط تكفيه..تقولها بابتسامتها الجميلة ...يتردَّد لحظة..ويمضي...ربما في الغد يسمع منها الكلمة التي يريدها : بابا...



