لن أقول بأنني ذكي لأن هذا حسب موروثكم الفكري لن يدخل ضمن معرفة الذات وإنَّما يدخل ضمن مدح النفس ومادح نفسه كذّاب، لذا سألف وأدور معكم فهذا ما تريدون، سأقول ما أريد قوله ولكن حسبما تريدون، حسناً إذن سأقول أعرف بأني لست غبياً
لن أقول بأنني ذكي لأن هذا حسب موروثكم الفكري لن يدخل ضمن معرفة الذات وإنَّما يدخل ضمن مدح النفس ومادح نفسه كذّاب، لذا سألف وأدور معكم فهذا ما تريدون، سأقول ما أريد قوله ولكن حسبما تريدون، حسناً إذن سأقول أعرف بأني لست غبياً وهذا بالتأكيد لن يكون ضمن مدح الذات فهو في أحسن الأحوال ستعتبرونه وصفاً وفي أسوأ الأحوال ستعتبرونه غروراً ولكن لن أغيِّر الآن طريقتي فقد استنفذت وسائلي القليلة في الكلام وما عاد لي من وسائل أخرى، أنا على يقين تام بأنني لست غبياً فقد كنت دائماً متفوِّقاً في دراستي، مهلاً، لا تتهموني بأني كنت أَصُمُّ الكتب والمعلومات، نعم كنت أفعل ذلك ولكن أيضاً كنت أحلُّ أعقد مسائل الرياضيات والفيزياء بذكاء، عدنا للذكاء مرةً أخرى، لا بأس، بإمكانكم أن تحذفوا هذه الكلمة فأنا شخصياً أصبحت أشكُّ بها، أيضاً أنا ناجح جداً في عملي والحمد لله ولكني أصبحت الآن غير واثق من قدراتي والأفضل أن أعترف بأنني غبي، نعم غبي وفاشلٌ أيضاً، قد تستغربون ذلك فبعد أن مدحت نفسي وقلت بكل ثقة بأنني ذكي وناجح، الآن أقول بأنني غبي وفاشل ولكن ماذا أفعل فهذا ما أثبتته الأيام لي أو بالأصح زوجتي، كنت وما زلت غبياً وفاشلاً مع زوجتي ، تلك المرأة التي اخترتها أو بالأحرى اختارها قلبي من دون كلّ النساء اللواتي عرفتهن والتي بدونها لا أتخيَّل حياتي أبداً، خلت لفترة طويلة أنني أعرفها جيداً ولكنني اكتشفت أني لا أعرفها أو بالأصح أعجز عن فهمها فهي في أغلب الأحيان رقيقة كالنسمة تملؤ البيت أجواءً مريحة هادئة باختصار مميزة تماماً كشخصيتها المميزة وأحياناً أخرى تبدو كعاصفة هوجاء تثور لأتفه الأسباب وتصرخ في وجهي وتنعتني بأبشع الصفات وأنا أحياناً أصمت من الدهشة وأحياناً أبادلها الصراخ بصراخٍ أعلى ولكنها سرعان ما تهدأ وتعود كما كانت ويعود كل شيء هادئاً منتظماً في حياتي، كان ذلك يحدث في فترات متباعدة ولكن في الفترة الأخيرة أصبح يحدث في فترات متقاربة حتى أحسست أنني فعلاً في مشكلة يجب حلّها، حاولت أن أفهم ما الذي يضايقها في كلِّ مرة يحدث إشكال ما فما وجدت سبباً مهماً بالتحديد، قلت لها هذه أشياء سخيفة وأمور تافهة لا يجب أن تحدث مشاكل بسببها وكان ردها لي بحدة أن الأشياء الصغيرة هي التي تظهر شخصية الإنسان وأعماقه ولذلك فهي مهمة، اهتزت ثقتي في ثقافتي وفي نظري للأمور، مثلاً أحياناً أقول لها كلاماً عادياً يقوله معظم الأزواج فترد بحدة : "أنا لست أمَّك"...وأستغرب فمن ذا الذي تحدث أو يتحدث عن أمي!!
حاولت أن أستعين ببعض الكتب –بالسرِّ طبعاً- حتى لا أشعر أحداً وخاصة زوجتي أنني أعطيها أهمية كبيرة فاستغربت ما عرفت، أشياء بصراحة لم أنتبه لها في حياتي ولم أفكِّر بها أبداً، عرفت مثلاً أن طباع المرأة والرجل مختلفة ..أي أنني لا يجب أن أطلب من زوجتي أن تكون مثلي أو تتصرف مثلي...ربما بالنسبة لكم تكون هذه معلومة عادية ، ولكن بالنسبة لي أعترف بأنها جديدة، هالني كم الكتب التي وجدتها تتحدث عن المرأة والرجل والعلاقة بينهما فأنا لم أحسّ في يوم من الأيام بضرورة التفكير في هذا الموضوع ولم أتوقع أن أحداً يفكّر في تأليف كتاب عن هكذا موضوع، على كلٍّ ، الحمد لله أن كثيرين فعلوا ..ربما لمساعدتي ومساعدة أمثالي ومن هم في وصفي، حاولت قدر استطاعتي أن أعمل ببعض النصائح الواردة في بعض الكتب ولكن دون جدوى، صحيح أن الأمور تحسَّنت نوعاً ما ولكن لم أحس أن المشكلة قد انتهت تماماً .....
منذ أسبوع اقترحت عليَّ ابنتي الكبرى لإخراج والدتها من حالة الملل والضيق التي تعيشها ان أصطحبها إلى مطعم، وحدنا أنا وهي فقط دون باقي أفراد الأسرة، لم نعتد هذا الأمر فدائماً نذهب جميعاًً، استحسنت الفكرة وطلبت من زوجتي أن تجهّز نفسها، أحسست بريقاً وسعادة في عينيها لم أرهما منذ فترة طويلة، قلت في نفسي الحمد لله، أخيراً عرفت السر، إذا كان الموضوع هكذ...بسيطة...من وقت لآخر عشاء رومانسي نحن وحدنا وانتهت المشكلة..
...........
بالفعل ذهبنا لتناول العشاء وحدنا، كان المطعم هادئاً والإضاءة تعطي جواً رومانسياً كما تحب زوجتي فأنا من ملاحظاتي واهتماماتي في الفترة الأخيرة اكتشفت أن زوجتي رومانسية..
مرَّ العشاء كأحسن ما يكون وقضينا وقتاً طيباً وعندما عدنا إلى المنزل تركتني وغابت فترة ليست بالقصيرة حتى حسبت أنها نامت مع أنني أعرف أن هذه ليست عادتها فهي حريصة دائماً على أن تغيِّر ملابسها وتتجمّل وتتزين وتتعطر وتجلس معي قبل النوم كأبهى ما تكون ولا تحب أن ينام احدنا قبل الآخر وكنت أتضايق جداً من طبعها هذا فأنا لا أحب أن أتقيَّد بموعد للنوم بل أحب أن أنام متى أريد، على كلٍّ بعد فترة طالت بعض الشيء أتت كعادتها جميلة أنيقة متعطِّرة ، ناولتني ورقة وعادت إلى غرفتها، فتحت الورقة وأنا مندهش، أعلم أن زوجتي تحب الكتابة من وقت لآخر ولكن لنرى؟ ...
توقَّعت قصة حب جميلة أو ما شابه ذلك ولكن لصدمتي إذا بها عن قصة زوجة تعاني وتتعذَّب !!...أبعد كلِّ هذه الأمسية وهذا العشاء الرومانسي !!
ألم أقل لكم بأنني أصبحت أشكُّ بأنني غبي وفاشل!!...



