تنظر إلى الساعة الكبيرة المعلَّقة على الحائط، تراها تقترب من العاشرة ليلاً، يزداد قلقها وتوترها، تلملم كتبها وأوراقها وموظَّف المكتبة يجول بين الطاولات ليهمس أو ليعطي الإشارة بأنه موعد إغلاق المكتبة، تحمل كتبها وتسحب المقعد
تنظر إلى الساعة الكبيرة المعلَّقة على الحائط، تراها تقترب من العاشرة ليلاً، يزداد قلقها وتوترها، تلملم كتبها وأوراقها وموظَّف المكتبة يجول بين الطاولات ليهمس أو ليعطي الإشارة بأنه موعد إغلاق المكتبة، تحمل كتبها وتسحب المقعد بهدوء وتعيده إلى مكانه، تتوجه إلى الباب وهي بالكاد تستوعب طريقها ففي الغد امتحان هام قد يتقرَّر على إثره فصلها من الجامعة إذا هي لم تنجح فيه، تنزل درجات سلم المكتبة الواقعة في الدور الثالث في المبنى القديم الذي لا يحتوي على مصاعد، تصل إلى المبنى الخارجي وتخرج إلى ساحة الملعب، تنعطف يمينا لتسير في ممرٍّ ضيِّق قصير ثم لا تلبث أن تنعطف يساراً متوجِّهةً إلى بوابة الحرم الجامعي، على يمينها الكافتيريا التي طالما سرقت ساعات وساعات من وقتها وهي تتابع بحماس النقاشات السياسيةبين الطلاب ، ربما الآن تنظر إليها بشيء من الحنق، تصل بوابة الحرم الجامعي الغربية التي تفتح على شارع ضيِّق يوصل إلى منزل الطالبات الذي يغلق في العاشرة مساء وعليها أن تكون في المنزل قبل ذلك وإلا ستكون قصة وتضطر إلى قرع الجرس ليعلم الجميع أن هناك طالبة متأخرة عن العاشرة ليلاً ...وتبدأ التعليقات وتأليف القصص..أين كانت ومع من أتت...وهي في غنى عن هذا كلِّه خاصة أنها تعمل مساعدة لمشرفة المنزل لتكسب بعض النقود تساعدها مع النقود القليلة التي يعطيها إياها والدها على مزاجه، لا أحد يصدق بأنها في حاجة للمال فوالدها حالته ميسورة بل ربما يعتبر ثرياً بالنسبة لآباء كثير من زميلاتها، ولكن ماذا تفعل بعقلية والدها الذي لا يؤمن بتعليم البنات بل ربما لا يؤمن بالتعليم أصلاً، النقود القليلة التي يعطيها إياها يرميها في الأرض، وهكذا كان يقول لها ولكن كلُّ هذا الآن غير مهم، المهم الآن هو امتحان غد، لا تعرف كيف وصلت أمورها الدراسية إلى هذا الحد وهذا التدهور، كيف أصبحت مهدَّدة بالفصل من الجامعة وهي التي كانت دائماً متفوِّقة ؟! عليها أن تدرس جيداً ما زال لديها الكثير الكثير من الصفحات، كانت قدماها بالكاد تحملانها وهي تقطع الشارع شبه الترابي الذي يفصل الجامعة وبوابة منزل الطالبات، أحكمت الشال الصوفي على رأسها وجزء من وجهها فالبرد شديد جداً والريح قوية تحسُّ بها تضرب جسدها وتعيقها عن المشي، تحاول بكلِّ قوتها التمسك بكتبها ...تقاوم الريح...في الوقت المحدَّد وصلت ، صعدت إلى غرفتها وبدأت تستعد للقيام بعملها كمساعدة لمشرفة السكن ...ومن ثمَّ تتفرَّغ لدراستها ...عليها تفقُّد غرف الجناح المسئولة عنه، تتأكد من عدم تأخر أو غياب الطالبات، وتتأكد من نظافة الغرف وترتيبها وأهم شيء عليها أن تنتبه إلى عدم وجود ممنوعات في الغرف مثل المدافىء الكهربائية....فخطوط الكهرباء في هذا المنزل القديم ضعيفة ولا تتحمل أن تشغِّل الطالبات مدافىء كهربائية والبرد في المنزل شديد وهذه التدفئة المركزية القديمة لا تفي بالغرض، المسؤولات يعرفن ذلك ولكنَّهن ينكرن وهي تعرف ذلك وتعايشه لذلك كانت إذا رأت مدفأة في أيِّ غرفة تتظاهر بأنها لم ترها...وتكرّر على الطالبات التعليمات : "ممنوع استخدام المدافىء"....، فتحت خزانتها تنظر إلى أسفل الخزانة حيث خبّأت مدفأة لها لم تستخدمها أبداً قبل اليوم ولكن ماذا تفعل فهي ترتجف من البرد الشديد في غرفتها وعليها الكثير من الدراسة، قالت في نفسها : " هذه المرة فقط لأتمكن من دراسة امتحاني جيداً" ...لا تعرف لماذا تكره هذه المدفأة ..كانت لديهم في بيتهم ولم يستخدموها إلا نادراً لأنها تستهلك الكثير من الكهرباء...كان أبوها قد اشتراها من أحدهم ...شاب كان يدرس في الخارج وأنهى دراسته وعاد إلى بلده ومعه شهادته وزوجة أجنبية وبعض الحاجيات من ضمنها المدفأة ..فجنَّ جنون أهله عندما رأوا الزوجة الأجنبية وطردوه هو وزوجته، فاضطر إلى بيع ما معه من حاجيات، عندما أحضرها أبوها ذات ليلة وهو يتحدَّث عن الشاب وكيف اشترى المدفأة منه بسعر بخسْ ..أحسَّت بغضب ...بل ربما كرهت أباها في تلك اللحظة...قالت له : هذا استغلال.....، استشاط غضباً وقال لها أن تخرس وتصمت ولا تتدخل...
منذ ذلك اليوم تكره هذه المدفأة التي اعطتها إياها أمها عندما شكت لها شدة البرد الذي لم تعتد عليه وهي التي نشأت في بلدة دافئة...إلا أنها لم تستخدمها أبداً ...ربما التزاماً منها بقوانين المنزل وربما لأنها تكرهها مع أن أباها اعترف لها فيما بعد أنه اشتراها بسعر أكبر وتعاطف مع الشاب آنذاك ..كان قد شفق عليه ...لكنه قال ذلك أمامهم ليعلِّمهم بأن لا يستغلَّهم أحد ..."فقط هذه المرة" ...ردَّدت في نفسها وهي تسحب المدفأة من الغطاء الذي لفتها به لتخفيها عن العيون،....."سأدفِّيء الغرفة إلى حين أنهي جولتي المسائية" ...ما كادت تصلها بالكهرباء حتى كان الظلام يعمَّ الغرفة، إذن كهرباء المنزل فعلاً لا تتحمَّل والآن سيعرف الجميع أن هناك من تستخدم ممنوعات...كانت ما تزال مرتبكة عندما سمعت طرقات سريعة وقوية على باب غرفتها وفُتِحَ البابُ الذي نسيت إغلاقه بالمفتاح، كانت المشرفة تقف على الباب وتقول موجِّهة الكلام لها: بسرعة ، قومي بعمل جولة تفتيش لنعرف من لديها مدفأة ..
كانت تقف في وسط الغرفة والظلام يلفُّ كل شيء إلا من ضوء بسيط يتسرّب من النافذة، كانت المرآة أمامها، وجهها الممتقع تخفيه العتمة فلا تميِّزه المشرفة جيداً، لم ترفع عينيها إلى المرآة لترى وجهها في تلك اللحظة...
تُرى هل نحتاج إلى مرايا لنرى ذواتنا ودواخل نفوسنا؟
......
...............
في الصَّباح كانت تقف أمام بوابة المنزل وبقربها حقيبتها تنتظر التاكسي تاركة الجامعة ومنزل الطالبات وراءها....



