كانت سيارة الأجرة تسير بهدوء أحياناً وأحياناً أخرى تسرع قليلاً بما تسمح به الطريق، يجلس في المقعد الخلفي وبجانبه زوجته، حمد الله أن الراكبة الثالثة كانت امرأة ليجلس هو قرب نافذة السيارة كما يحب وتنحشر زوجته على
كانت سيارة الأجرة تسير بهدوء أحياناً وأحياناً أخرى تسرع قليلاً بما تسمح به الطريق، يجلس في المقعد الخلفي وبجانبه زوجته، حمد الله أن الراكبة الثالثة كانت امرأة ليجلس هو قرب نافذة السيارة كما يحب وتنحشر زوجته على مضض في الوسط وزوج المرأة يجلس قرب السائق في المقعد الأمامي، يبهره جمال الطريق على الجانبين، تماماً كما لو أنه يراه لأول مرة...يحدِّق فيه ولا يشبع من مناظر الخضرة الممتدة على طول الطريق، يفكِّر كيف يكون لك كل شيء ويغدو لغيرك؟ ولكن من قال أنه لغيري!! ..يتنهد ..يحاول أن يطرد الأفكار الكئيبة من رأسه ولكن هيهات...يحاول أن يقنع نفسه فقط تمتَّع بهذا الجمال الربّاني وكأنَّك تنظر إلى لوحة جميلة، هل يجب أن تمتلك اللوحة لكي تستمع بالنظر إليها ؟ ولكن إذا كانت اللوحة لي وسرقها أحدهم فكيف أستمتع بالنظر إليها ؟ ....كأنَّما أفكاره الحانقة بدت على قسمات وجهه فزوجته أخذت تربت بهدوء على يديه ..."مسكينة زوجتي، لقد ابتليت بي " ...يقول بينه وبين نفسه ...."تعلم أن المشوار كلَّه لا يعجبني وأنني لم آت معها إلا لإرضائها "....تحايلت عليه بكل الطرق من بكاء وغيره وارتدت أقنعة مختلفة لاقناعه،...تارة الزوجة المسكينة المنكسرة ...فالقوية الشرسة الثائرة تارة أخرى...إلى أن رضخ ..وافق على مضض.."أم فلان ذهبت وزوجها إلى هذا الطبيب..وأم علّان ..وهكذا...تستمر في تعداد القائمة ، لكن أنا غير ...لماذا ؟...لماذا أنت غير ؟...كيف تفهم ؟...كيف أفهمها ؟...كيف أذهب إليهم وماذا أقول للطبيب "افحصني ..انظر ماذا فعلتم بي وما الذي أتلفتموه في جسدي وأصلحه"؟!....
وصلت السيارة إلى هدفها...نزل الجميع...سار هو وزوجته في الشارع حسب الوصف والتعليمات...ضيقه تزايد...يحسُّ بالاختناق...كلُّ شيء غريب ...هم كلُّ شيء...اللافتات بلغتهم ...أسماء الشوارع والمحلّات...تنبعث أصوات موسيقاهم وأغانيهم بصوت عالٍ...يكاد يقف ويصرخ : لغتي أين لغتي ؟..أين حروفي وكلماتي ؟...كلُّ شيء غريب..من يُصّدِّقُ أنا كنّا هنا ....من يصدِّق ؟...آه لو تنطق الشوارع لقالت...ولكن أية شوارع..! لقد استبدلوا كلَّ شيء ..يكاد يبصق من قهره..يهدأ قليلاً ويتذكَّر هدفه من هذا المشوار، تلتصق به زوجته، فلا ملاذ لها في هذا البلد الغريب إلا هو....غريب!! يا لهذه الدنيا!!...معرفته باللغة لا تساعده في الوصول..صحيح أنه تعلَّم بعض لغتهم في السجن ولكن يبدو مقدار ما تعلَّمه غير كافٍ ليقرأ اللافتات بسرعة...يلمح عدداً من الأشخاص يحس بأنه يعرفهم...يسألهم فيدلونه بكلِّ بساطة..يعرفون الأماكن تماماً ..يستغرب..لا يبدو عليهم الضيق مثله....هو يُحسُّ بأنه يكاد يختنق ، هم على عكسه تماماً يبدو عليهم الرِّضا والسعادة، ابتسامتهم تعلو وجوههم ...يعملون هنا ويكسبون الكثير..أحسَّ بالامتعاض...شعوره بالاختناق يزداد ...أخيراً يصلان العيادة...يجلس في غرفة الانتظار ..تلتصق به زوجته التي تحسُّ بالسعادة تغمرها فها هي أخيراً في عيادة بعد أن امتنع هذا الزوج العنيد ....تتنبه للمكان الغريب والأشخاص الغرباء حولها وتحسُّ بالوحشة فتزداد التصاقاً بزوجها لعلَّ التصاقها به يعطيها بعض الطمأنينة والشجاعة، يرفع عينيه...ينتبه إلى أن الكلّ يبحلق فيهم ، هم الغرباء ...هم الدخلاء على هذا المكان..يكاد يشتم...يتذكر ماذا نبهه أحد أصدقائه: "ربما يشكّون بكم أنَّكم (مخربون)، انتبهوا جيداً لكلِّ حركة منكم ومنهم " ...يبتسم في سخرية : ماذا لو تعرفون أنني كنت سجيناً وأنني فعلت بكم الكثير ..وأن جنودكم اعتقلوني وعذبوني و...توقف عن التفكير، لا يريد أن يتذكَّر أكثر، "وهذه الزوجة المجنونة تحضرني إلى هنا ليعالجوني، إنَّها مجنونة فعلاً....
( فعل الكثير ...) من قال ذلك ...لا لم يفعل شيئا" يذكر حتى الآن ...
فجأة ينتصب واقفاً، يمسكها من يدها، تمشي معه وبسرعة إلى الخارج وهي مستغربة وتندب حظَّها في هذا الزوج وهذا الزواج ، أما هو فكان أخيراً يتنفّس بعمق ويحسُّ براحة كبيرة، فقد عزم أمراً...



