"غريبة هي الدنيا...وغريبة هي أحوالها وكل ما فيها: الناس والأفراد والظروف والعلاقات التي تربط بين الأفراد" ، كانت تفكِّرُ في ذلك وهي تنظر إلى أمها الجالسة تحيك الصوف بصمت وتنظر أحياناً إلى التلفزيون، إنها أمها أكيد..
"غريبة هي الدنيا...وغريبة هي أحوالها وكل ما فيها: الناس والأفراد والظروف والعلاقات التي تربط بين الأفراد" ، كانت تفكِّرُ في ذلك وهي تنظر إلى أمها الجالسة تحيك الصوف بصمت وتنظر أحياناً إلى التلفزيون، إنها أمها أكيد....ولكن لماذا لا تحسُّ تجاهها بما يحسُّ به الناس عادة تجاه أمهاتهم ؟ ولكن ما يدرينا ماذا يحسُّ الناس؟ ربما كانوا كاذبين مدَّعين؟ هل من المعقول أنَّ كلَّ هذه العواطف التي يظهرونها لإمهاتهم كذباً وزيفاً؟ لم تكن أمها سيئة بل ربما كانت أفضل من غيرها..ولكن لماذا لا تحسُّ بأيِّ تعاطف معها؟ ..كانت أمها خيالية ..حالمة...تحلم بالحياة الجميلة التي لم يكن أبوها قادراً على توفيرها لها ..ليس بسبب فقر أو قلة مال...لا...ولكن هكذا هو لا يحبُّ الإنفاق أو الرفاهية..
كانت أمها تعيش في خيالاتها..دائماً تنظر إلى التلفزيون وتتحسَّر...تراقب كلَّ صغيرة وكبيرة في الفيلم الذي تشاهده، الثوب الذي ترتديه البطلة...الهاتف الذي تستعمله...الأريكة التي تجلس عليها....كل شيء...كل صغيرة وكبيرة تراقبها وتتحسَّر على حالها....لأنها لا تعيش مثل هذه البطلة السعيدة التي تمتلك كلَّ شيء.
كلَّما نشب خلاف بين أمها وأبيها، كان البيت يلفُّه الحزن والكآبة والتوتر إلا هيَ كانت تستمر في أمورها وكأنَّ شيئاً لم يحدث..كانت فقط تثور وتغضب إذا قال لها أحدهم أنها تشبه أمها..أمها كانت تقول عنها بأنها قاسية بلا قلب..أما هي فكانت تصف نفسها بأنها واقعية وقوية..كانت تنظر إلى أمها على أنها إنسانة ضعيفة لا تفعل شيئاً ...فقط تحلم ...نعم جميل أن تحلم ، ولكن ماذا فعلت لتحقيق أحلامها؟ لا شيء ..جلست تنتظر عريساً لعلَّ وعسى أن يحقِّقَ لها أحلامها..كانت أحياناً تناقشُ أمَّها في ذلكَ و أحياناً كثيرة تكون قاسية عليها فتأخذ أمها في البكاء وقد يصل بها الأمر إلى أن تدعو عليها بأن لا تنعم في حياتها كما لم تنعم هي...وتكمل الأم المشهد في التحسُّر على شبابها الذي ذهب في تربية ابنة جاحدة قاسية ، هي لم تكن تـأبه لذلك ..هي تعرف ما تريد...ستكمل دراستها ..وتعمل وتكسب المال...أوَ ليسَ أبوها يتبجّحُ بالمال الذي ينفقه عليهم ويذلَّهم ويتحكَّم بهم وبأمهم بحجة إنفاقه عليهم ...! صحيح أنه كان يسيء معاملتهم ومعاملة أمها إلا أنها لا تتذكَّر أبداً أنه كان يضربهم أو يضربَ أمها ..ليس احتراماً لها وإنما احتراماً لنفسه ..فقد كان يقول: إنَّ الذي يضرب امرأة و"يتشطّر" على حرمة ليس رجلاً.....ولكن ماذا عن بقية مبادئه في الحياة؟ لا تعرف ولا أحد يستطيع مناقشته ، على كلِّ حال هي كانت ترى دائماً أن أمها هي المخطئة ...ومهما يكن فكل هذا لا يعنيها..وكلُّ ما في البيت لا يهمها: لا أمها الضعيفة ..ولا أبوها المتسلِّط ...إنها مسألة وقت بالنسبة لها ليس أكثر...بمجرَّد أن تستلم عملاً بعد التخرُّج ستجد شاباً متعلِّماً واعياً مثلَها يتفاهمان معاً على كلِّ شيء ...ويتزوجان ..لن يكون هناك أيُّ مجالٍ لإذلالها أو إهانتها فهي تعمل وتكسب مثله بل ربما أكثر..وهذا ما كان فعلاً...مشت الأمور كما رسمت لها تماماً...لم تكن سعيدةً فرحة ولكنها مطمئنة راضية إلى أن كان يوم اختلفا فيه اختلافاً كبيراً ...ليس مهماً من أجل ماذا وعلى ماذا...المهم أنها صدمت عندما هوى بكفِّه على وجهها ..عندها...أدركت أن الخطأ لم يكن في أمِّها وإنما في أبيها أو ربَّما .... في شيءٍ أكبر..
عندما لمحت وجهها في المرآة وهي تمسح دموعها..أحست و لأول مرة أنها فعلا" تشبه أمها.



