يمشي في المدينة الغريبة وحيداً كالمتسكع، يجوب شوارعها وينظر إلى كلِّ شيء....إنها المرة الأولى التي يسافر فيها وحده، قبل الزواج لم يكن والداه
يمشي في المدينة الغريبة وحيداً كالمتسكع، يجوب شوارعها وينظر إلى كلِّ شيء....إنها المرة الأولى التي يسافر فيها وحده، قبل الزواج لم يكن والداه يسمحان له بالسفر وحده بحجة الخوف عليه وبعد الزواج لا يسافر إلا وزوجته معه، هذه المرة صمَّمَ أن يسافر وحده، لم يعر استغراب زوجته وشكَّها أيَّ اهتمام، كان مصمِّماً أن يكون حرَّاً من أي التزام بأيِّ شخص،...يريد أن يحسَّ بأن وقته ملكه يفعل فيه ما يشاء ويقضيه كما يحلو له، ...في البداية أحسَّ براحة وسعادة ولكن لم تمض سوى أيام قليلة حتى بدأ يحسُّ بالملل والضجر...كان يقضي معظم وقته يجوب الشوارع وأحياناً يجلس في أحد المقاهي، فقط ينظر وينظر....إلى أيِّ شيء وكلِّ شيء، المباني...الأشخاص....السماء....فجأة وقعت عيناه عليه، عجوز يلبس ملابس رثة يجلس على أحد المقاعد في إحدى الحدائق ويتحرَّك أحياناً هنا وهناك دون هدف...أحسَّ بضيق وحاول أن يبعد نظره عنه، لم يأت إلى هنا ليرى أو يراقب متشرداً .....ولكن مضت أيام وصورة العجوز لا تفارقه إلى أن رآه ثانية صدفة في إحدى الحدائق.
من الواضح أنه متشرِّد...لا يبدو كبيراً جداً في العمر...أيعقلُ أن يوجد في هذه المدينة الجميلة إنسان يعيش بهذه الطريقة!! ...كل شيء يبدو في المدينة جميلاً ...مفعم بالحياة إلا هذا المتشرِّد...ترى هل يوجد كثيرون مثله ؟ ..ما الذي أوصله إلى هذا الوضع؟ تمنى لو يقترب منه ويحدِّثه ليفهم قصَّته ولكنه تذكَّر أنه لا يعرف لغة هذا البلد، ربما أنه مجنون أو معتوه ...ولكن لا يبدو عليه ذلك ...وحتى لو كان مجنوناً فالمجانين في هذه البلد بالتأكيد لهم أماكن يعيشون فيها وليس كبلده يتجولون في الشوارع....أوَ تراهُ فقد عزيزاً أو حبيبةً أو ربما كان غنياً وفقد أمواله ..!!
بدأت مخيلته ترسم القصص لهذا المتشرد ..تمنى لو أنه يعرف ولو القليل من لغة هذا البلد ليحدثه ...ولكن من قال أن هذا المتشرد من هذا البلد...ربما يكون من بلد آخر، جاء يبحث عن فرصة هنا وساءت الأمور معه ووصل إلى هذا الوضع، أمعقولٌ هذا !! نعم ولمَ لا ؟ ألم يسمع عن أشخاص غادروا بلده إلى بلاد أخرى يبحثون عن فرصة وانقطعت أخبارهم !! ألم يسمع عن ذلك الفنان العربي الذي قضى في إحدى هذه المدن بعد أن تراكمت عليه الديون وترك بلده ورآه البعض في آخر أيامه يتسول ليحصل على اللقمة ؟ ألم يسمع عن ذلك الشخص الذي لم يستطع الحصول على الجنسية في إحدى هذه المدن الجميلة فانتحر بأن ترك نفسه يتجمَّد في العراء؟ بدأت ذاكرته تستعيد مثل هذه القصص التي سمعها سابقاً ولم يهتم بها في حينها وللمرة الأولى أحسَّ بأن هذه المدينة غير جميلة كما تبدو بل قبيحة وقاسية، للحظة أحسَّ بالخوف فهو هنا وحيداً لم يخبر أحداً عن مكانه ولو حصل معه أي شيء فلن يحس به أحد ...ولكن وضعه مختلف...حاول أن يطمئنَّ نفسه ...فمعه أوراقه الشخصية ومال وفير ...ولكن يحدِّث نفسه ماذا لو حصل وفقد كلَّ هذا بطريقة أو بأخرى كأن يضيعه مثلاً أو يسرقه أحدهم، ...هل يمكن أن يحدث هذا ؟ نعم ولم َ لا ....في هذه المدن كل شيء ممكن وإذا حدث وحصل ماذا يفعل وماذا يكون مصيره؟ أيكون مصيره مثل مصير هذا المتشرِّد؟ لم يكد خياله يصل إلى هذه الصورة حتى أحسَّ بهلع كبير، حاول أن يقنع نفسه أن هذا لن يحدث فكثيرون يأتون ويقضون أوقاتاً ممتعة ويعودون إلى بلدانهم فلماذا يجب أن يكون أقلَّ حظاً منهم ؟ كلَّما حاولَ أن يطمئنَ نفسه ...كان شيء في نفسه يقول: وماذا لو حصل ؟...يعلم أنه جبان ولكن ليس إلى حد أن يضيع سفره واستمتاعه لمجرد أن رأى عجوزاً متشرداً ،..لم يطل الأمر به ...حسم أمره بسرعة...ورتَّب أموره بسرعة.
بعد أيام قليلة كان في بيته يحدِّثُ زوجته أنه لم يستطع أن يستمتع بالإجازة بدونها وأنه افتقدها جداً في سفره وحين جلس إلى أصدقائه كان يحدثهم عن مغامراته الكثيرة المثيرة في تلك السفرة، قصص كثيرة اختلقها من خياله الواسع ولكنه لم يحدثهم أبداً عن العجوز المتشرد...فقد كان جباناً بجدارة.



