صورة صورة


سرد: في عالم آخر

بعد أن أنهى حلاقة ذقنه وغسل وجهه أخذ يتفحص وجهه في المرآة، قلة النوم والقلق عملا عملهما في عيونه ووجهه ومزاجه وكل حياته، لم يعد يبتسم إلا نادراً، أما الضحك فقد نسيه تماماً، يحس بأن الهم الذي يسكن قلبه أكبر من هموم الناس جميعاً، فقط لو يفهم ...لو يفهم ماذا حدث لربما ارتاح قليلاً ...كيف انقلبت (…)

خواطر: ذنبك

ذنبك أنك جميلة كيوسف

مقالات: مقال

مقال.........

عيون فدوى

ببين عيون فدوى وعيوني مسافة يراها البعض أو هكذا يريدون شاسعة واسعة وأنا لا أرى أكثر من المسافة بين عيون شخصين يقفان بجانب بعضهما ليس أكثر.

تاريخ النشر 17 أيلول (سبتمبر) 2025

ببين عيون فدوى وعيوني مسافة يراها البعض أو هكذا يريدون شاسعة واسعة وأنا لا أرى أكثر من المسافة بين عيون شخصين يقفان بجانب بعضهما ليس أكثر.

لم تكن فدوى صديقتي مع أنها كانت قريبة جداً من قلبي وكنت أحبها ليس من أجل شعرها الأملس ولا من أجل البثور المنتشرة على بشرة وجهها الهاديء ولكن من أجل عيونها الحزينة الهادئة، عيون فدوى كانت دائماً ممتلئة حناناً وحزناً وحنيناً، صبية كانت ولكن كانت تبدو مهمومة وكأنها تحمل أثقال و هموم سنين وسنين، أكثر من مرة أهمُّ بسؤالها لماذا تبدين مهمومة كعجوز....ولكني أتراجع خوفاً من أن أضرب بسؤالي على وتر لا تحبُّ أن يمسه أحد وخوفاً من أن أجرح إحساسها الذي باءت محاولاتي بعدم المساس به بالفشل وأتت اللحظة التي جرحت فيها شعورها بسخافة عن غير قصد، أكثر ما كان يؤلمني الحنين في عيني فدوى الذي كان يعطيها لمسة سحرية أمّا أنا فكنت أحسه سياطاً تؤلمني وتوجعني وتشعرني بعجزي...و عجز الكثيرين.

لم أكن أعرف عنها الكثير فهي من مكان يصرُّ الجميع على أنه بعيد وأراه أنا قريباً جداً، كانت من أولئك الذين يسكنون ما اعتدنا أن نذكره بنغمات مختلفة ونسميه "مخيَّماً" ويصرُّ البعض أن لهم عالمهم ولنا عالمنا، لهم حياتهم ولنا حياتنا..وكان يغيب عن بال البعض أو لا يريدون أن يتذكَّروا أن لنا الوطن نفسه!...وهكذا كان كلُّ شيء يفسَّر على أنها "ابنة مخيَّم" ، لم أكن أرى في فدوى مكان سكنها و أصر على ذلك...كانت فدوى تهوى الرسم ، صحيح أنها رسمت نجيب محفوظ فبدا وكأنه طه حسين إلا أنها كانت ترسم بطريقة بسيطة وعفوية وجميلة...

الشيء الذي لم أكن أحبه في فدوى هو قامتها المنحنية مع أنها كانت صغيرة لم تتجاوز السادسة عشرة، كان انحناء ظهرها يغيظني وأود أحيانا لو أمسك جسمها من أعلى وأضغطه بين يدي لتستقيم ويرتفع رأسها إلى أعلى...

أكثر ما أحبُّ في فدوى بساطتها وعفويتها فأنا أحبُّ العفوية أوهكذا كنت إلى أن أوقعتني تلك العفوية في إشكال زاد الحزن في عيني فدوى وزاد الحب في قلبي لفدوى وكرهي لعفويتي ولساني الذي أبى إلا أن يجرح شعور الإنسانة الرقيقة التي لها مكانة شاسعة في قلبي... كان ذلك عندما أعطتني كتابها ذات يوم بدل كتابي الذي نسيته وعادة لا أنسى كتبي أو واجباتي ولكنه حظي الذي أراد أن يضعني في موقف صعب مع فدوى...و مع نفسي ....

وبّخها الأستاذ لعدم إحضارها كتابها وفي الحال سارعت بالقول بأن كتابها معي، أنا التي لم تحضر كتابها..حتى تلك اللحظة كان يبدو الأمر جميلا , فلا استغلال لزمالة أو صداقة أو خداع للأستاذ ..ولكن عندما سأل الأستاذ : لماذا تغطيان على بعضكما؟ هل أنتما صديقتان؟ ..اندفع جوابان في نفس اللحظة من فدوى : نعم ...ومن لساني السخيف :لا....دفعة واحدة ودون مقدِّمات اعتقد البعض بل وربما الجميع أن المسافات الشاسعة بيني وبين فدوى ظهرت....وجبال وسدود قد ارتفعت، بدا لي الهمس ضجيجاً ونظرات العيون ناراً حارقة وأنا صامتة إذ اقتنعت أنه عندما لا يريد الآخرون أن يفهموا إلا ما يريدونه فمن الأفضل أن تصمت...

"لم أكن أقصد"
كيف أفهم الجميع الذين لا يهمونني...بل ما يهمني هو فدوى، كيف أفهمها أنني لم أقصد!!!

سنوات وسنوات مرت، أبحث فيها عن عيون فدوى لأفهمها ذلك فلا أجدها، أبحث عن أي عيون تشبه عيون فدوى فلا أجد، حين أقابل الكثيرين أنظر في عيونهم وأحدِّقُ جيداً علّي أجد عيون فدوى ولكني لا أجد..

ألا يوجد عيون تشبه عيون فدوى